contact@mohamed-kamal.com +201095160268
August 15, 2020 - بواسطة مشرف

أبو رجل مسلوخة

كم كنت أحب جدتي وأنا طفل، ولا زلت أحبها، لكني سأتحدث عن مفهوم الحب بالنسبة لي حينها. كنت أحبها لأنها تخشى علي، وتفرح عندما تراني سعيد، هكذا فقط. لم أكن أحبها كحبي لها اليوم، وهي التي أخذها الله عنده كي تجعل مَن هم هناك سعداء، بعد أن أسعدت مَن هم هنا. لم أكن أحبها لذلك الشعور الفطري الذي لا نفهم كيف تعمل تروسه، لم أكن أحبها لطيبتها ودفئها، ولا لوجودها الذي يبث الفرحة من دون سبب، ولا لاهتمامها بي وعنايتها. ولا حتى لشعوري اليوم بالحنين لها وطيفها يمر على عقلي الآن في ذكرى حزينة أكثر منها سعيدة. المهم أني كنت أحبها، كما قلت، لأنها كانت تخشى علي. وأكثر ما كانت جدتي تخشى علي منه، هو "أبو رجل مسلوخة"، لم أكن أعرف ما هو ولا زلت لا أعرف، وأقسم أن جدتي هي الأخرى لم  تعرف طيلة حياتها ما هو، لكن مجرد ذكر اسمه كان يجعلني أرتعد من الخوف.

     

    تقول جدتي ناصحة لي، وباعثة الرعب في نفسي وهي على عتبة الباب أو من النافذة: ادخل إلى البيت كي لا يأخذك أبو رجل مسلوخة. وعلى الفور أتخيله، شيء غير مصنف ضمن الكائنات، طوله نصف متر تقريبًا، ليس له وجه يتعرف عليه المرء، ولكن له رأس مقزز، لا لم أتخيله يومًا بقرون. يسير على أربع أو على اثنين، يمتلك رفاهية الاثنين، وليس له ذيل، سريع جدًا جدًا، وكلما زادت سرعته قلت سرعتي أنا، كأنما تتغذى سرعته على سرعتي. شرس، عدواني، إن طالني سيلتهمني حتى وإن لم يكن جوعان. هو في كامل هيئته شيء بشع للغاية، خطير للغاية، مخيف للغاية، فما كان يجعلني ارتعد خوفًا حينها، ليس لأنه سيلتهمني إن أمسك بي؛ وأنما لأنني لن أستطع احتمال بشاعة منظره إن رأيته. ومع ذلك، لم أتخيله أبدًا وإحدى ساقيه الاثنين، أو الأربع، مسلوخة!


     ومن كثرة ذكر جدتي اسمه لي، حلمت بشيء مشابه له في إحدى الليالي. كان الوقت قبل الفجر بقليل، الليلة قمرية، تستطيع رؤية وتحديد الأشياء في الظلام، وكنت في منزل العائلة المبني بالطين، تخيلته؟ إذًا لا داعي لوصفه، فمعظم البيوت الطينية لها نفس التصميم. أمام دارنا، في الجهة الأخرى، تستقر مدرسة القرية، مدرسة قديمة متهالكة مبانيها، تقول الشائعات أنها مسكونة. تتألف من طابقين كئيبين، لأني لم أدخلهما يومًا، كنت أحسبهما وكرًا للشياطين. زجاج النوافذ محطم، وظلام من خلفه حتى في وضح النهار. والمدرسة لها فناء واسع، ملتف من حوله سور واطىء من الطين متساقطة بعض أجزاءه، ملتصقة به من الداخل أشجار "العبل" التي تحول المكان والأجواء مع حركة الرياح لفيلم رعب حقيقي. للفناء بوابة صدئة من الحديد المنزاح طلائه، فهي باهتة وبها ثقوب. كانت البوابة مفتوحة على مصراعيها، هل تذكر التوقيت؟ قبل الفجر بقليل. كانت البوابة مفتوحة، وأنا في داري، لم يأتيني خبر في الحلم عن أهلي، هل كانوا مستيقظين أم لا، ولم أعرف كيف غفلت عني جدتي، ولا كيف كان باب دارنا الخشبي الذي يحدث صريرًا مزعجًا كلما فتحه أحدهم أو أغلقه مفتوحًا حينها؟. المهم أنني كنت أفتح الباب على اتساعه، وأخطو باتجاه بوابة المدرسة، ثم أقف على عتبتها، دون أن أجروء على التقدم ولا شبرًا واحدًا، ثم أصيح: "أبو الطراطير" لا أعرف كيف تحول في الحلم "أبو رجل مسلوخة" لأبو الطراطير، أو إن كان أبو الطراطير شيء مرعب آخر غيره. 


    أصيح: أبو الطاطير. وأنا مبتسم لأني ألاعب ذلك الشيء وأزعجه مثلما يزعج الناس. فيهرول نحوي بأقصى سرعة لديه، آتيًا من الجانب الآخر للفناء. وأفر أنا نحو داري الذي لا يبعد بابه عن بوابة المدرسة مسافة عشرة أمتار. أندس بداخل الدار وأغلق الباب في وجه أبو الطراطير على آخر لحظة، دائمًا وفي كل مرة تكن آخر لحظة! أغلق الباب وأنا ألهث من الركض، ونشوان كوني مصدر إزعاج لأبو الطراطير. ويعود هو لوكره المدرسة. وأعود أنا لأكرر نفس الفعلة. أفتح الباب على اتساعه، لا أن أواربه فقط، ولا أعرف كيف كنت لا أضع محل الشك أن يكن أبو الطراطير خلف الباب فيلتهمني أو يميتني رعبًا.


     العجيب أنني وبعد استيقاظي من الحلم، علقت في ذاكرتي صورة أبو الطراطير وظل اسمه يتردد في إذني! واختفت بذلك ذكرى أبو رجل مسلوخة. لدرجة أنني اعتقدت بالفعل أن أبو الطراطير ليس مجرد حلم، أو أسطورة، بل حقيقة، وكذلك أبو رجل مسلوخة، ولا زلت اعتقد.


- محمد كمال/ أبو رجل مسلوخة.