contact@mohamed-kamal.com +201095160268
July 08, 2020 - بواسطة مشرف

الحنين المجهول

من البديهي أن المرء يَعمد إلى فعل شيء ما حينما يشعر أنه بحاجة إلى فعله، أي أنه يدرك أن عليه فعله، وحينما يفعله يدرك تمامًا أنه خلال الحدث الذي قصده.


حتى أثناء الجبرية، عندما يضطر مُجبرًا على القيام بفعل أمر من الأمور، أي رغم عن إرادته، يدرك أيضًا أنه بصدد فعل ذلك الأمر، أو يفعله، أو انتهى من فعله.


إلّا أن الإنسان كائن محير بعض الشيء، تمر به أوقات يفقد فيها السيطرة على نفسه، تتحكم فيه قوى غاية في الشراسة، تأخذه لمكان بعيد، وإن كانت القوى هنا مجهولة، فإن المكان الذي تأخذه إليه تلك القوى أيضًا يتوقف على حياة المرء، ماضيه، ذكرياته. أما عما يعتريه هناك، أثناء تجواله في صحراء ذكرياته المقفرة، أو بحور ماضيه المعتم، أو بساتين أعوامه المزهرة.. فيتوقف عما لاقاه حينها، عما مر به، عن تلك الأحداث وما استبد به أو أحاطه برحمة وعطف وحنو.


تُفسر أو تُعرف هذه الحالة أو اللحظات التي يقع فيها المرء فريسة لتلك القوى بالحنين.


حياتنا مليئة بالأحداث، علاقات، صداقات، لقاءات، حب، قرب، بعد، فراق، فقد واشتياق.. ما من شخص على الأرض إلا وتعرض لمثل تلك الأحداث، ولكن يختلف الشعور بالحنين من شخص لآخر ويتوقف على عمق شعوره ورهافة حسه.. ويا لتعاسة عميقي الشعور حينئذ، فإن إدراكهم بالواقع وجريان الأمور وسير الأحداث يوجعهم.


الحنين في حد ذاته شديد الوقع على القلب، وغالبًا ما يكون الحنين لذكريات مبهجة ولأيام سعيدة، فكما قال الشاعر الفلسطيني "محمود درويش" لا أحد يحن إلى جُرح.


غير أن ذلك مقبولًا بعض الشيء، ذلك أن المرء أحيانًا لا يفهم ولا يعرف إلى ماذا يحن بالتحديد، يجد نفسه شاردًا في لا أحد، متكئًا على وحدته كما قال "كافكا". تائهاً، مفكرًا، عميق الفكر في مجهول.. ذلك الحنين المجهول، أوصفه بأنه أشد أنواع الحنين ضراوة، وأعظمهم قدرة على تحطيم الإنسان.. ذلك أن الحنين المجهول -على حسب تصوري- ينبع عن كبت أو حزن دفين عظيم الأثر، أو عن شعور بالنقص، أو عن رفض واعتراض على الواقع.. على كل، لا يمكننا الهروب من الحنين مثله في ذلك مثل الموت.


- محمد كمال/ الحنين المجهول