contact@mohamed-kamal.com +201095160268
July 09, 2020 - بواسطة مشرف

النت

فتح "أحمد" حسابه على فيس بوك ولا يشغله سوى أن يبعث رسالة لصديقه "عمرو" ليطمأن عليه، فلقد طالت فترة غيابه عن مواقع التواصل..


    بعث "أحمد" الرسالة وراح يتصفح آخر الأخبار وسرعان ما انهمك في قراءات ومشاهدات ومحادثات، ثم بعد مضي نحو ساعة تذكر صديقه "عمرو" ولأنه كان مشتاقاً إليه بالفعل، قرر زيارته في منزله.


    فتح "عمرو" الباب، ثم بعد تبادل التحية والعناق الحار، أجلس"عمرو" صديقه في غرفته بعدما أحضر له مشروباً ساخناً. ثم بادر "أحمد" يقول:

-  فينك يا عم؟ مختفي ليه؟ مبقتش تفتح نت يعني؟!


     تبسم "عمرو" وقال باندفاع:

-  هو خلاص بقى النت هو عالمنا وحياتنا؟! اللي ميفتحش يبقى مش عايش مع البشر ووحيد ومنعزل؟! من امتى بقى الكلام ده؟!


     رد "أحمد" بهدوء:

-  مش بالظبط كده، بس اتعودنا عليه وبقالنا أصدقاء وكونّا شبكة تعارف، وبقى صعب نتخلى عن كل ده.. هي بقت حياة تانية.


     رفع "عمرو" حاجبيه وقال بدهشة:

- حياة تانية آاااه.. لا انا بفضل أخليني في الحياة الأولى.. الحياة اللي بجد.. اللي الضحك فيها بجد والحزن بجد والسعادة بجد.. اللي فيها تواصل حقيقي وود كده.. حتى الحب اللي فيها محسوس وله طعم. أما الحياة التانية دي فانا خلاص زهقت منها.. حياة مزيفة ومبنية على التوقعات والتكهنات.. يا ترى اللي بيكلمني دا ولد ولا بنت؟ كبير ولا صغير؟ مش يمكن يكون حد يعرفني وبيعمل فيا مقلب؟ مش يمكن حد بيحبني ومكسوف يكلمني في الواقع؟ مش يمكن مش يمكن والقائمة تطول.. حياة نفاق في نفاق.. منور، واحشني، أخويا، حبيبي.. كلها مجاملات بتتقال بوفرة على صور بنزلها أو كلام بننشره وأغلبه نسخ ولصق! لا يا عم مش عايز أرجع للحياة الخنقة دي تاني.. أنام وآخر حاجة فكرت فيها النت والتليفون، أصحى أدور على التليفون، أجري أفتح البرامج أشوف الجديد، حد كلمني، حد علق على منشوراتي، حد نشر حاجة.. أصلي الصبح متأخر وبسرعة.. ألبس بسرعة، أروح الشغل بسرعة، أرجع لبيتي بسرعة، كل دا والتليفون في ايدي وعينيا مبحلقة فيه، وعلى مهلى وببطئ بكلم ده، وبقرأ الحتة دي، وبكتب الكلام ده!!! 


    لا يزال في جعبة "عمرو" الكثير، لكنه حجم عن الكلام حينما نادته شقيقته "سمر" وقالت:

-  أحمد.. يا أحمد.


    خرجا سوياً واتجها صوب الصالون ليجدا والدا "عمرو" وجده وسمر.. الجميع جالسون في سكينة ولا صوت يعلو فوق صوت حديثهم العذب وضحكاتهم التي هي من القلب.. لا هاتف مضاءة شاشته، ولا "تليفزيون" يعكر صفو جوهم العائلي.


     تبسم والد "عمرو" وقال:

-  ازيك يا أحمد يا ابني؟ اقعد اقعد.. يااااه والله فيك الخير انك زرتنا، بقالنا كتير مشوفناكش، كنت فين؟ ليه مختفي كده؟


    قال "أحمد":

-  لا مختفي ولا حاجة يا أبو عمرو، دا انا حتى دايماً فاتح النت وبكلم كل الناس.


    قالت والدة "عمرو":

-  كده انت مختفي ونص يا ابني، لما تقضي حياتك بالشكل ده تبقى مختفي، وسرقاك السكينة، الحياة الحقيقية بره الشاشات، خارج السور اللي ساجنين فيه نفسكم، يعني أيه لما تصحى مالنوم تقول أنا صحيت؟ ولما تخرج تقول خرجت؟ ولما ولما ولما.. هو انت عليك مراقبة ولازم تحدد انت بتعمل أيه ومكانك فين؟


    ضحكت سمر وقالت:

-  بس يا حاجة النت مطلوب برضه، برغم مساؤه إنما مطلوب، يعني بينجز حاجات وبيعرفنا حاجات.. أهم حاجة بقى اننا نستخدمه صح وفي الوقت المناسب، مش نعيش فيه ونموت في حياتنا الطبيعية.


    كان الجد صامتاً يستمع، ثم أراد أن يشارك في الحديث فقال:

-  أنا لما بشوف الحياة السريعة دي اللي بوظتها التكنولوجيا باحمد ربنا إني متولدتش الأيام دي، لا بقى حد يقعد مع حد ولا يطيق يكلم حد نص ساعة على بعضها من غير ميبص في تليفونه، والتاني برضه بيكون زيه، واقفين أو قاعدين مع بعض وبيكلموا ناس تانية!


    قال "عمرو" بشيء من المغالاة في الثقة:

-  دلوقتي يا "احمد" مين فينا اللي مختفي، أنا ولا انت؟ مين اللي عايش ومين اللي تقريباً مش موجود معانا؟ مبقلكش سيب النت خالص واقفل حساباتك.. بس بقولك عيش حياتك كإنسان عادي واستخدم النت وقت اللزوم.. ومتنساش إن قاعدة زي دي بتساوي آلاف الساعات على النت.


قال الجد:

-  بعد كام يوم هييجي العيد، لا هنحس بفرحته ولا بلمته.. التليفونات هتتشحن كهربا ورصيد وهتشغل الناس بناس ممكن ميشوفوهمش خالص عن ناس قاعدين جنبهم. وتمر الأيام ويلاقوا نفسهم بيفقدوا اللي وسطهم ويتفاجئوا انهم راحوا وهما مقعدوش معاهم ومش حبوهم الحب اللي يستاهلوه وهيوحشوهم أوي.. بس تعرفوا فين المشكلة؟ المشكلة إن النت هينسيهم حتى الحزن والاشتياق والشعور بالندم بسرعة. وهيجروا يكتبوا بسرعة كأنهم مستنين الخبر من زمان.. مات أبي.. مات جدي.. مات أخي.. أدعوا له بالرحمة، بالمغفرة، ويشعر بالحزن.. وهيركز أوي مع تليفونه يستنى حد يعلق ويجري يشكره على مشاعره النبيلة وإنه قدّر حزنه وعلقله على منشوره.


     قال "أحمد" جادًا فيما يقول:

-  لو كنت بتمنى حاجة دلوقتي بعد القعدة دي، فهي إني مش عايزها تخلص أبداً.. حسيت هنا بجو الألفة والعيلة اللي داخل عليهم عيد بجد.. وطول السنين اللي فاتت اللي قضتها أنزل منشورات وأعجب وأعلق كانت سراب.. حقيقي كانت وهم كبير.. شكراً يا عمرو إنك رجعتني أحس من قلبي إني عايش. 


***              

    

    وحينما عاد صاحبنا إلى داره، أعد لنفسه كوبًا من القهوة وخرج به إلى الشرفة يتأمل النجوم ويرقب المارة، بعدما دس هاتفه في جيبه. ولكن قبل أن يدسه، أوقف تنشيط حسابه على "فيس بوك" بعد أن ترك كلمات يخبر بها أصدقاؤه بأنه سوف يغيب.


     ثم بعد مرور نصف ساعة تقريبًا، أحس كأنه قد نسي شيء ما كان يود فعله، ثم بعد ذلك استطاع أن يفهم أنه يفتقد لشيء، وشعر كأنه قد فرغ فجأة ولديه متسع كبير من الوقت، ثم أدركه ملل رهيب، وعندها أحس بيده تندس في جيبه في خفية وخيفة، وبعدما ارتاب في البداية، انبسطت أساريره، ووجدت أصابعه طريقها على الشاشة، ها هي تنقر أيقونة "فيس بوك" وتكتب أحرف وأرقام ليستعيد صاحبنا حسابه.. وعلى وجه السرعة كتب: وحشتوني.  


"تمت"