contact@mohamed-kamal.com +201095160268
July 09, 2020 - بواسطة مشرف

سحر خاص

سحر خاص (مشهد)..


رأيتها من بعيد على ظهر عربة يجرها حصان، تجلس وحيدة تعبث بالأشياء المحيطة بها، جلت ببصري في المكان من حولها علني أرى أحد معها يؤنسها ويحميها فلم أجد، تسائلت من مكاني وفي قرارة نفسي: مَن معكِ أيتها الطفلة؟. انتظرت وأمعنت النظر فإذ بها تخرج من مخبئها، أكبر بقليل، أتوقع أنها في العاشرة من عمرها، طفلة هي الأخرى، تأملت الشيء في يدها، كانت تحمل جوالاً من البلاستيك، بدون أن أرى ما بداخله توقعت أنها قنينات أو أي حاجيات من البلاستيك، تجمعها من على جانبي الترع وأماكن القاذورات بصحبة أختها، الأميرة الصغيرة التي ترقبها لتتعرف على عملها المستقبلي.


   نازعني شعور غريب، في البداية كان تساؤل عن حال الصغيرة ثم إعجاب بالكبيرة الطفلة المجتهدة الشقية، شقاء ظاهر وشقاوة مطمورة تحت عناء كيفية الحياة، إنشغالها بتوفير سبل المعيشة (لقمة العيش). إنّ هاتان الكلمتان تقدران أن تقتلا مواهب وتؤدا أحلام وتجبنا أنفس وتذللا رقاب وتنكسا رؤوس. وددت لو أن تنظر إليّ، برغم ما هي فيه، كانت تحيطها هالة من العظمة، كانت لها جاذبية قوية وسحر خاص، ربما كانت لهيئتها المزرية وملابسها البالية دور في ذلك، فقد كان إحساسي بتلك الصبية إعجاب بكدها وكفاحها ممزوج بشفقة على طفولتها التي أُهدرت. إنها في نظري أشجع من ألوف مؤلفة من الشباب الكسالى، الذين يتحججون بقلة توافر فرص العمل ويركنون إلى ذويهم وولاة أمورهم لينفقون عليهم.


    ابتسمي يا صغيرة، فأنتي ملكة على عرش الجمال بأسمالك البالية ووجهك الطفولي المغبر وشعرك الجاف المبعثر والمجعد وقدماكي المتسختان في حذائيهما المهترئ ويداكي الصغيرة المخشنة والرقيقة والمشققة.


   كدت أصرخ بها أن توقفي لأملي عيناي من روعة طلتك عندما رأيتها تضع ما بيدها بجانب غيره وتقفز على العربة بحركة رشيقة سريعة، ولكني حجمت عن ذلك وتسمرت أراقبها وهي تجذب إليها لجام حصانها وتضع قدم على قطعة من الحديد متصلة بالعربة وتدلي الأخرى في الهواء لتتحرك بتلقائية مع حركة العربة. راح الحصان يقرع الأرض بضرباته ويحرك ذيله منتشي ويهز رأسه، أي سمعاً وطاعة يا سيدتي الملكة، ها أنا ذا أنال شرف صحبتكِ وأختكِ الأميرة الصغيرة.


    سخرت من ذاتي لأنني كنت أسخر وأستحي من عملي كعامل غسيل سيارات، وكنت كلما ارتديت لباس العمل الذي يسمونه "العفريته" شعرت كأنه يحط من قدري، هاه...! الآن تيقنت أن ما من شيء يحط من قدري ويحق لي أن أستحي منه غير عقلي.


    خلعت البنطال الجينز والكنزة الجميلة بنصف كم وارتديت العفريتة والجزمة ذات الرقبة الطويلة التي هي من البلاستيك وجلست أنتظر الزبائن وأنا مبتسماً وحالي غير تلك الحال التي كانت قبل أن أرى الصغيرات.


"انتهى المشهد"