contact@mohamed-kamal.com +201095160268
July 09, 2020 - بواسطة مشرف

مشهد

- مشهد


بعدما عاد من سفره لم يهنأ أهل داره بساعة يقضونها معه، ولم ينعم هو بساعة يسترح فيها.. حين فرغ من التسليم عليهم ترك حقائبه وخرج..

سار بمرح صوب البحر.. هو لم يكن من عشاقه الذين يقول عنهم أنهم (حساسون زيادة عن اللزوم.. والواحد منهم دائماً متصنع العمق!) لكن أولى زياراته وعلى الرغم من ذلك، كانت للبحر.. راح يغذ الخطى حتى وصل..


هناك بعيداً، في زاوية محاطة بالصخور التي تحول بين الأمواج والشاطئ وفي مكان مرتفع قليلاً يقف رجل..

بعدما التقطت عيناه صورته وقف لثوان يشهق ويزفر، كان يتنفس بصعوبة بالرغم من نسمات البحر التي تدب في الأجساد صحوة والشعور الغريب الذي وكأنه يأمر المرء بالرقص.. فكفاه أن رأى الأمواج المتلاطمة حتى وقف في مكانه وفرد ذراعيه كأنهما جناحان أخذا وضع الطيران، ثم سرعان ما عدّل من وضعيته وتحرك باتجاه الرجل..


يسير ويتأمل الرجل، عرف أنه لم يشعر بوجوده بعد، يرتدى حلة رسمية لا تتناسب مع جعرافية المكان، الهواء يداعب سترته فتتطاير للخلف وللأمام، يضع يدٍ في جيب سرواله والأخرى يستخدمها في إيصال لفافة من التبغ إلى فمه.. لم يكن من المدخنين.. ماذا حدث؟ سيكون أول سؤال يلقيه عليه بعد الترحيب به هو: لماذا أصبحت من فئة المدخنين؟.


كان مشهداً عميقاً أشبه بتلك التي في السينما.. رجل ينظر للبحر، تتطاير أطراف سترته، يده تتحرك ما بين فمه وجانبه تحمل لفافة تبغ، ويدٍ ثابتة في جيب سرواله.. مشهد جذاب يوحي بالعمق.. لكنه لم يؤمن يوماً بأن العمق يحتاج إلى بحر متلاطمة أمواجه ولفافة تبغ وهدوء..


ربت كتفه الأيسر براحته اليمنى بهدوء.. إلتفت صاحبه بحركة سريعة لا تتناسب مع مشهده العميق.

إلتقت عيونهما، دونما كلمات، تعانقا وهما يبتسمان ثم نظر العائد من السفر للشيء المحمر من طرفه وقال لصاحبه:

- لماذا أصبحت من فئة المدخنين؟

قال بعدما أخذ نفساً عميقاً ونفثه ببطئ:

- لأنها تشعرني بالراحة.. هي مثل قرص مهدئ.

- وهل تستخدمها كعلاج؟ أعني حين تكون أعصابك مشدودة فحسب؟ 

لم يكن ليجيب عن السؤال الأخير لما لمسه من نظرات سخرية ونبرة استهزاء من صديقه، لكنه أجاب:

- لا.. بل في جميع الأحوال.. حين أفرح، حين أحزن، حين أكون في مقابلة ما، في العمل في الشارع والمنزل.


شعر بضيق صديقه فقرر تغيير مجرى الحديث فقال:

- ما زلت كما أنت، تزور البحر وتدّعي العمق. (جاء يكحلها عماها)!!

تنهد الرجل ثم سحب نفساً أكثر عمقاً مما سبقه وهو ينظر لعيون صديقه ثم ألقى باللفافة التي قاربت أن تحرق نارها أصابعه على الأرض مستخدماً أبهامه وسبابته ونظر للجهة الأخرى وأخذ يتأمل الأفق البعيد.. حيث المياه الممتدة على مرمى البصر وتلاقي صفحتها مع السماء من بعيد، وقرص شمس الأصيل التي أوشكت على الغروب.. لا يريد أن يتحدث كثيراً، ليس وقتاً مناسباً للجدال، لم يكن مستعداً لتلقي نصائح جاهزة ومعدة مسبقاً للقاءه.


عاد صديقه يقول:

- إن كان البحر يجعل المرء عميقاً، فهل تعتقد أن جميع المحيطون به من السكان عميقون؟!


إلتفت نحوه ثم تنهد قبل أن يقول:

- إسمع يا صديقي.. من قال لك أن العمق متعلق بالبحر فقد كذب عليك، ومن قال لك أن السجائر تريح الأعصاب فقد خدعك.. وإن كانت الأخيرة من كلامي فهذا لأني لم أجد أمامي إجابة حاضرة في ذهني غيرها.


والبحر دائماً حاضراً معي، وزياراتي إنما هي لتأكيد صداقته، مثلك تماماً، أنت حينما تغيب عني لسنوات تكون معي وحرصي على رؤيتك عند عودتك للنفخ في نار أشواقي وتبريدها.


صديقي .. البحر وهدوء المكان ونسمات الهواء الباردة تذكرني بك، تخلصني من أفكار سلبية، أهرب من حماقات ومهاترات، لم يكن العمق يوماً مرتبطاً بمكان؛ إنما بالروح.. العمق الحقيقي يكمن في روح معذبة،، شريدة ضائعة، أصابها الخذلان، تسعى وراء حلم ما، ترى ذاتها بمكان غير الذي هي فيه، إعلم إنّ وجودي هنا من أجلك ومن أجل أحلامي ومن أجلي أنا.. وقبل كل شيء.. أنا هنا لأني أحب أن أكون هنا. هنا يا صديقي لا أرتاح كما تعتقد؛ هنا أتذكر جميع ما يؤرقني وأتألم، إنّ صمتي وتأملاتي ووقوفي الطويل من فرط آلامي الرهيبة.. لو لم أكن أتعذب لكنت أكثر حركة وحديثاً ومرحاً.


إنّ الروح العميقة لم تكن لتكون عميقة لو لم يضربها الألم، يوجعها الحنين، يهشم عظامها الخذلان واكتشاف الوجوه الكثيرة للبشر.. و.. 

إزدرد ريقه ثم أردف: وعدم فهم أقرب الناس للمرء لتلك الروح، وسوء ظنه بها، وفي المجمل.. شعور تلك الروح الدائم بالظلم.. لو لم أعرف أنك ستتهمني بأني أضع عواقب في طريقي مثل أني أتحجج بالظروف والزمن لقلتها من البداية.. ذلك الإحساس بالظلم ناجم عن أشياء ومتغيرات متنوعة..


أخشى أن أقول لك أن تلك الروح خُلقت هكذا.. معذبة مضطربة حساسة، تشعر.. ما يؤلم حقاً أنها تشعر، إنّ الشعور في حد ذاته ألم.


لا يزال في جعبته الكثير، لكنه حجم عن الحديث حينما لمس تبدل حال صديقه وتبدل ملامحه.. وكأن وجهه إمتلأ بتجاعيد لم تكن فيه، وأدرك بحسه أنه يفكر.. فعرف أنه يقلب الكلمات في عقله وأنه بدأ يتألم.. قال لنفسه: ما دام بدأ يفكر إذاً بدأ يتألم. لا أريد أن أعذبه، فإنني أدرك تماماً ما معنى أن يتعذب المرء جرّاء تفكير ما.


ساد صمت رهيب، أعقبه هدوء طاب للإثنان، نظر صاحب الحلة لصديقه العائد من السفر فوجده غائص في بحر سحيق.. كان بحراً غير الذي أمامهما.. يحملق في الأفق البعيد فوق الأمواج المتضاربة ولا يصدر عنه حتى همساً.. حينما سمع صديقه يتنفس بعمق سحبه من يده وهم بمغادرة المكان قبل أن يُصاب بداء التفكير ويتورط في حب الوحدة.